أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
62
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
دائرة الواجبات والمحرّمات الصريحة . وهذا الاتّجاه الذي يتمثّل في هذا المنطق يتّخذ دائماً مع الدنيا سلوكاً إيجابيّاً ويواجهها وجهاً لوجه ليأخذ منها ويتفاعل معها ويتأثّر بمغرياتها في حدودٍ هي على أفضل تقدير حدود المباحات بالمعنى الأعمّ التي افترضها في تحليله المنطقي السابق . وأسعدُ الناس حظّاً من أصحاب هذا الاتّجاه من بقي وفيّاً لأصله الموضوعي أميناً على حدوده التي افترضها في تحليله المنطقي ، فمارس مقياسه الشخصي في دائرة المباحات ولم يتعدّ هذه الدائرة . وأتعس هؤلاء حظّاً من تمدّد به المقياس كلّما تمدّد في تطبيقه ومن اتّسع به كلّما اتّسع في تنفيذه حتّى أصبح هذا المقياس هو الحاكم المطلق في كلّ شؤون حياته دون فرق بين دائرة أو دائرة ومجال أو مجال . وهناك أيّها الأعزّة اتّجاه آخر يناقض هذا الاتّجاه كلّ المناقضة ، يقف بصورة مقابلة له تماماً . هذا الاتّجاه ينظر أصحابه إلى الدنيا من أعلى ، ينظرون إليها من أعلى من قمّة الجبل فيشرفون بوضوح وبجلاء على كلّ ما في هذه الدنيا من محدوديّة وزيف وفراغ . وهم ينظرون إليها من أعلى يعصمون أنفسهم من التأثّر بمغرياتها والاستجابة لدوافعها والانصياع مع جذبها الأكيد في كلّ ميادين ومجالات مساعيها . وعلى هذا الأساس يقفون منها موقفاً سلبيّاً ويرون أنّ الدنيا كميّة مهملة في حسابهم لا تميد إليها هممهم ولا يرتبط بها شأنهم ، لأنّهم أعلى من هذه الزخارف والسفاسف ، لأنّهم يعيشون مع الله في جوٍّ من المناجاة والانطلاق الروحي والانقطاع إلى الله تعالى ، يشغلهم عن تلك الزخارف والسفاسف التي ألهت الأوّلين وجذبتهم وجعلت منهم أناساً يركضون وراء مصالحهم الشخصيّة . إنّ منطق هؤلاء يتلخّص في أنّ هذه الدنيا بمحدوديّتها وزيفها وما تكتنفه من فتنة وشدائد ومصاعب وما يتمخّض عنها من زوال وما يلابسها من أخطار ، إنّ هذه الدنيا ليست جديرة بالاهتمام . وهكذا نجد أيّها الأعزّة أنّ هذين الاتّجاهين يختلفان اختلافاً كبيراً في طبيعة نظرتهما إلى صلتهما بالدنيا ، ويختلفان اختلافاً كبيراً نتيجة لذلك في موقفهما العملي من الدنيا . الاتّجاه الأوّل يقف موقفاً إيجابيّاً ، والاتّجاه الثاني يقف موقفاً سلبيّاً . الاتّجاه الأوّل يجد من مغريات الدنيا مبرّراً للاستجابة لها ما دام لا يخرج عن دائرة المناجاة ، والاتّجاه الثاني يجد من وضاعة الدنيا وتفاهتها ومحدوديّة غاياتها وأشواطها ما يترفّع عن الانسياق معه ومواكبته والمشي في خطّه . الاتّجاه الأوّل يفتح عينيه وقلبه للدنيا معاً ، والاتّجاه الثاني يغمض عينيه وقلبه عن الدنيا معاً . يقال في تاريخ هذه البناية التي نباحث فيها في كلّ يوم صباحاً ومساءً « 1 » : إنّ شخصاً من العلماء الأبرار كان يسكنها وهو الشخص المعروف بالمقدّس الأردبيلي رضوان الله عليه ، هذا الشخص الذي نظر إلى الدنيا من أعلى فترفّع عنها وعن كلّ ما فيها وما تزخر به من متع وشهوات . هذا الرجل العظيم كان يسكن في هذه البناية بالذات على ما يقال في تاريخه . يقال إنّه استيقظ لصلاة الصبح أو لصلاة الليل ، أراد أن يستسقي من البئر ماءً ليتوضّأ به فخرج الدلو مملوءاً ذهباً ، فألقى بالذهب كلّه إلى قاع البئر وكرّر العمليّة فتكرّرت النتيجة هكذا ثلاث مرّات وهو يقول : ما شأني والذهب ! أنا أريد ماءً أتوضّأ به .
--> ( 1 ) يقصد ( رحمه الله ) مقبرة آل ياسين ، وهي عبارة عن منزلٍ كان الشيخ محمّد رضا ابن الشيخ محسن الكاظمي ( رحمه الله ) - جدّ السيّد الصدر ( رحمه الله ) الأعلى لأمّه - قد اشتراه سنة 1162 ه - ، وهو منزل الملّا أحمد الأردبيلي ( رحمه الله ) المعروف بالمقدّس الأردبيلي .